محمد بن جرير الطبري

487

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

احترقت الجلود ثم أعيدت جديدة بعد الاحتراق ، ( 1 ) قيل : " هي غيرها " ، على ذلك المعنى . * * * وقال آخرون : معنى ذلك : " كلما نضجت جلودهم " ، ( 2 ) سرابيلهم ، بدلناهم سرابيل من قَطِران غيرها . فجعلت السرابيل [ من ] القطران لهم جلودًا ، ( 3 ) كما يقال للشيء الخاص بالإنسان : " هو جِلدة ما بين عينيه ووجهه " ، لخصُوصه به . قالوا : فكذلك سرابيل القطران التي قال الله في كتابه : ( سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ) [ سورة إبراهيم : 50 ] ، لما صارت لهم لباسًا لا تفارق أجسامهم ، جعلت لهم جلودًا ، فقيل : كلما اشتعل القَطِران في أجسامهم واحترق ، بدلوا سرابيل من قطران آخر . قالوا : وأما جلود أهل الكفر من أهل النار ، فإنها لا تحترق ، ( 4 ) لأن في احتراقها = إلى حال إعادتها = فناءَها ، ( 5 ) وفي فنائها رَاحتها . قالوا : وقد أخبر الله تعالى ذكره عنها : أنهم لا يموتون ولا يخفف عنهم من عذابها . قالوا : وجلود الكفار أحد أجسامهم ، ولو جاز أن يحترق منها شيء فيفنى ثم يعاد بعد الفناء في النار ، جاز ذلك في جميع أجزائها . وإذا جاز ذلك ، وجب أن يكون جائزًا عليهم الفناء ، ثم الإعادة والموت ، ثم الإحياء ، وقد أخبر الله عنهم أنهم لا يموتون . قالوا : وفي خبره عنهم أنهم لا يموتون ، دليل واضح أنه لا يموت شيء من أجزاء أجسامهم ، والجلود أحدُ تلك الأجزاء . * * * وأما معنى قوله : " ليذوقوا العذاب " ، فإنه يقول : فعلنا ذلك بهم ، ليجدوا ألم العذاب وكربه وشدته ، بما كانوا في الدنيا يكذّبون آيات الله ويجحدونها . * * *

--> ( 1 ) في المطبوعة : " الاحتراق " ، وأثبت ما في المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " وقال آخرون : معنى ذلك " ، والسياق يقتضي ما أثبت . ( 3 ) الزيادة التي بين القوسين ، لا غنى عنها . ( 4 ) في المطبوعة : " لا تحرق " والجيد ما في المخطوطة كما أثبته . ( 5 ) يعني : أنها عندئذ تفنى حتى تعاد مرة أخرى ، وفناؤه يوجب فترة يخف فيها عنهم العذاب . وهذا باطل كما سترى في الحجج التالية .